“الحياة”: الجامعة الأميركية في بيروت ووكالة «أونروا»: دور ثوريّ وأخطار تهدد

August 28, 2017

http://tinyurl.com/y99hfxfe :تم نشر هذا المقال في جريدة الحياة – الثلاثاء، ٢٢ أغسطس/ آب٢٠١٧

(إلى موظفي مكتبة الجامعة الأميركية في بيروت، اعترافاً بفضلهم الكبير على أبحاثي)

قد يبدو العنوان مجازياً لكنه يعكس روح المقال الذي كُتب من ضمن مفهوم أظنه الأدق والأعمق للفعل الثوري، بما هو إحداث تغيير مفاهيمي اجتماعي جذري للأمام. أما فكرة المقال فحصيلة بحث مديد لتقصي موقف إسرائيل من الربيع العربي، ويُكثفه سؤال: كيف تُفكِّر إسرائيل بالعرب، وما الذي يشغل بالها من تحولاتهم!

أظهر البحث أن ما يُخيف إسرائيل، ليس قدراً يزيد أو ينقص من أحزاب وشعارات وأسلحة، لا قيمة لها من دون قاعدة اجتماعية ونظام حُكم معياري، بل أن يستيقظ العرب معرفياً. وفقاً لهذا المعيار، فإن المشروع الذي بدَّل صورة المشرق العربي هو الجامعة الأميركية في بيروت عبر دورها في إنتاج نُخبة علمية كان لها دور تحديثي حاسم.

ووفقاً للمعيار ذاته، فإن «أونروا» هي المشروع الفلسطيني الثوري التأسيسي، الذي أنهى الأمية في المجتمع الفلسطيني خلال فترة وجيزة نسبياً بعد نكبة 1948، فوضع بذلك قاعدة ثورة علمية، صنعت لاحقاً كل أدوار الشعب الفلسطيني، الذي تأسست حركته الوطنية الحديثة على مقاعد الدراسة، وانحط حالها حين ضربتها جهالة.

تطوي الجامعة الأميركية في بيروت هذا العام 151 سنة على تأسيسها، فكانت واستمرت الأولى بالمنطقة. تنوَّعت أشكال تمايزها، وإن ارتكزت على حقيقة أنها مُستشفى ومُهندسة المنطقة ومصنع نُخبها، حيث تخرَّج فيها أو مرّ بها مُعظم رجالات العرب، الذين كان لهم شأن في صوغ الحياة العامة العربية. وإذا كان لنا إيجاز ما سبق، فيمكن القول إن الجامعة الأميركية في بيروت صارت مُرادِفاً لثقة عِلمية عالية، تجد صِدقيه مُتزايدة لها في حيز الواقع.

معروف أن غالبية الجسم الأكاديمي العربي حصلت على درجاتها العلمية العُليا، دكتوراه وما في حُكمها، من جامعات غربية، ومن هنا امتياز الجامعة الأميركية في بيروت، التي أتت بعلم الغرب نفسه للمنطقة العربية. فضلاً عن ذلك، حَصَدت وتحصد فوراً الثمار الإيجابية للعولمة العلمية، حيث يجد الطالب أو المريض عند مستشفى الجامعة الأميركية آخر وأفضل ما توصَّل إليه العِلم في الخارج، كنتيجة لنظام التشبيك العلمي مع المراكز والجامعات بالغرب.

قدَّمت الجامعة الأميركية الدليل على بؤس الدعاوى العنصرية ضد العرب والمسلمين، تحت زَعْم أنهم عُصاة على الدَمَقْرطة والحداثة بحُكم طبيعة الأشياء! أكَّد وجودها أيضاً، إن لناحية الموقع الجغرافي في قلب المنطقة العربية، أو لأن غالبية الإدارة وهيئة التدريس والطَلبة من العرب وربما المسلمين، أن هؤلاء ليسوا عُصاة على الحداثة، وما تقتضيه وتترتب عليها من بُنى وقِيم إنسانية علمانية عابرة، ما فوق دينية أو إثنية، إن توافرت لهم شروط ذلك.

لعل ما سبق ذِكره من مزايا معروفة، لكن ما لم يُشر له، أو يمكن توفير بدائل عنه، هو ما تُؤمنه الجامعة الأميركية للقارئ العربي، بما هي مكتبة المنطقة وأرشيفها وذاكرتها الموثقة، الحافظة لحقيقتها وتاريخها منذ قرن ويزيد

يمكن لطالب مـُقتدر الحصول على دراسة ذات مستوى رفيع في كثير من جامعات الغرب. كذلك يمكن لراغب باستشارة هندسية، أو دراسة جدوى اقتصادية، الحصول على خدمة مُمتازة بأماكن أخرى، لكن لا مجال للحصول على الحقيقة التاريخية بخصوص كثير من أحداث المنطقة العربية، إلا من مكتبة الجامعة الأميركية، التي تضُم، في ما تضُم، الأرشيف الكامل لمئات الجرائد والمجلات والنشرات، التي يعود بعضها إلى حوالى قرن مضى ويزيد.

أشير لما تقدَّم في ضوء تجربتي كباحث، كانت مُتوفِّرة لي مكتبة «مركز الأبحاث الفلسطيني»، و «مؤسسة الدراسات الفلسطينية»، لكن ما كان بالإمكان إتمام كتابي «قطاع غزة» من دون مكتبة الجامعة الأميركية، وما أنجزته الجامعة من دراسات نوعية مُميَّزة حول الأوضاع الاقتصادية للمشرق العربي إبان النصف الأول من القرن العشرين.

كذلك ما كُنت لأنجز أبحاثي عن الاقتصادين الفلسطيني والإسرائيلي قبل 1948 لولا مُنجز الدكتور سعيد حمادة باسم الجامعة الأميركية، الذي حَمَل عنوان «النظام الاقتصادي في فلسطين» 1939. وأيضاً كُتُب: (1) التعرفة الجمركية في سوريا، 1919- 1932. (2) النظام النقدي والصرافي في سوريا، مُحرِّره سعيد حمادة. (4) القوى الكهربائية في سوريا وفلسطين، تأليف د. باسم فارس. النظام الاقتصادي في العراق، مُحرِّره سعيد حمادة.

لا داعي لتفصيل معنى الدراسات المذكورة، لكن ثمة حاجة لإلقاء الضوء على أنها، وبما خصَّ فلسطين حصراً، حملت معنى تاريخياً وسياسياً حاسِماً في تأكيد حقيقة أن فلسطين، لم تكن أرضاً بلا شعب أو عمران، كما روَّجت الصهيونية، بل عامرة بأهلها واقتصادها، والدليل المعطيات التي قدَّمتها دراسات الجامعة الأميركية في بيروت.

لم يتوقَّف الصراع على المنطقة وتاريخها، بل زاد شراسة وصار عملاً دؤوباً ومُنسَّقاً، وشابته أخطاء لا مجال لتصحيحها من دون العودة لمكتبة الجامعة الأميركية في بيروت، حيث الخبر اليقين. زاد تقديري لها مع أنني وجدت فيها خير زادٍ لمواجهة حملة مُتمادية تزعم أن الفلسطينيين لم يكونوا يوماً إلا مُساومين على قضيتهم ومُفرِّطين بها!

استظلت تلك الحملة برطانة تفيض حُباً لفلسطين، وأنها تُوثِّق أقوالها بذِكر اسم المصادر وتاريخها! أسوق مثلاً عليها تزويراً وَرَد تحت عنوان: «وثـيـقــة تقسيم فلسطين إلى منطقتين عربية ويهودية»، حيث نجد في المتن: «حديث تقسيم فلسطين إلى منطقتين عربية ويهودية، أي تقسيم فلسطين إلى منطقتين مستقلتين واحدة عربية إلخ…». ثمة هامش أسفل الصفحة يقول: «المصدر: أحمد سامح الخالدي، جريدة «فلسطين»، 27/12/1933».

صار السؤال: كيف التأكّد والمصدر جريدة «فلسطين» اليافوية قبل ثمانين سنة؟! تَكفَّل أرشيف الأميركية، حيث ميكروفيلم الصحيفة، بفضح أنه ما مِن «وثيقة تقسيم فلسطين»، أو ذِكر لأحمد سامح الخالدي، الشخصية التربوية المعروفة، الذي أوحت الدسيسة أنه صاحب الوثيقة الزائفة! آخر ما أكرمتني به مكتبة الجامعة الأميركية، توفيرها ميكرو فيلم فسَّر لي فوارق فادحة بين نص للأستاذ طلال سلمان في موقع «السفير» وبينه في موقع «الشروق».

أنتقل للنقطة الأخيرة وتتعلَّق بأخطار تتهدَّد الجامعة الأميركية، لناحية إمكانية أن تُصاب بعدوى انحطاط الأكاديميا العربية، التي أُلحقت بسُلطويات صارت تستر عوراتها بغُلالات علمية من ألقاب وتقارير «غُب الطلب»، مُقابِل مُكافآت- رشاوى مادية ومعنوية خيالية، إلى حد أن المكافآت على تلك التقارير والدراسات الهزيلة المفبركة على عجل، تُعادل أحياناً راتب أستاذ في الجامعة الأميركية لعام كامل، على افتراض أنه يبلغ 120 ألف دولار!

أتساءل هنا: كيف تُحصن الجامعة الأميركية نفسها من عدوى ذلك الوباء؟! أسأل، لأنها صارت رمزاً للجودة العلمية، ما جعلها أمام خطر مُزدوج، لناحية أن اسمها الأكثر استهدافاً من كل باحث عن غُلالة أكاديمية يستر بها عورته السياسية أو الاجتماعية، ولناحية أن كل من ينتسِب لها عُرضة لإغراءات قد تفوق الخيال أحياناً!

وعليه، فإن واجب الجامعة الأميركية التيقّن بأن من ينتمي لها من أفراد، أو يُنسَب لها من نِتاج، مُستوفٍ للشروط المهنية والأخلاقية. ماذا يُضيرها لو وضعت سجلاً بـــ: (أ) النِتاج الفكري لكل واحد من أساتذتها، سواء صَدَر عنها أو منابر أخرى، لضمان استيفائه الشروط الواجبة، وليس مسروقاً أو مُكرراً. (ب) ما يتلقاه أستاذ الجامعة الأميركية من رواتب ومُكافآت ومُنح، من داخل الجامعة وخارجها، للتيقّن من أنه قدَّم عملاً جدياً، يتناسَب وما تلقاه من جهات غير الجامعة الأميركية في بيروت، وتفوق أحياناً دخله الرسمي من وظيفته الأساسية بالجامعة!

لا يمس اقتراحي مكانة الجامعة الأميركية، وهو لتحصينها ضد إفساد الأكاديميا العربية، وبما هي ثروة عربية وإنسانية، ونموذج علمي مُشرق يجب أن يُعمَّم ويُحمى ليبقى عصياً على فساد يُخطئ من يتوهم أنه معصوم منه! ومن لا تُعجبه الجامعة الأميركية في بيروت فله رأيه، مع رجاء أن يُقدم عملاً يُعادلها كيلا نقول يفوقها مستوى!

كاتب فلسطيني

Share on: Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Share on TumblrShare on LinkedInEmail this to someonePrint this page

Leave a Reply